مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

294

تفسير مقتنيات الدرر

أنّ الغزو والسفر ليس ممّا يوجب الموت وتقدّم الأجل ، ولئن وقع ذلك بأمر اللَّه لنفحة يسيرة من مغفرة ورحمة كائنتين من اللَّه بمقابلة ذلك خير ممّا يجمعون الكفرة من منافع الدنيا وطيّباتها مدّة أعمارهم . فإن قيل : كيف يكون المغفرة خير ممّا يجمعون ولا خير فيما يجمعون أصلا ؟ فالجواب أنّه وارد بزعمهم ومعتقدهم وأنّهم يحسبون أنّه خير . * ( [ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ] ) * على أيّ وجه اتّفق هلاككم * ( [ لإِلَى اللَّه ِ ] ) * أي إلى المعبود العظيم الشأن * ( [ تُحْشَرُونَ ] ) * لا إلى غيره فيوفّي أجوركم فبين الحشر مع المغفرة والحشر بدون المغفرة فرق كثير . روي أنّ عيسى بن مريم عليه السّلام مرّ بقوم نحفت أبدانهم واصفرّت وجوههم ورأى عليهم أثر العبادة فقال لهم : ماذا تطلبون ؟ فقالوا : نخشى عذاب اللَّه ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه . ثمّ مرّ بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا : نطلب الجنّة والرحمة ، فقال عليه السّلام : هو أكرم من أن يمنعكم رحمته . ثمّ مرّ بقوم ثالث ورأى آثار العبوديّة عليهم أكثر فسألهم فقالوا : نعبده لأنّه إلهنا ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون ، انتهى . وهذا المقام لا يمكن تحصيله إلَّا بالتجريد والفناء حكي أنّ امرأة قالت لجماعة من الكرماء : ما السخاء عندكم ؟ قالوا : بذل المال ، قالت : هو سخاء أهل الدنيا والعوامّ فما سخاء الخواصّ ؟ قالوا : بذل المجهود في الطاعة ، قالت : ترجون الثواب ؟ قالوا : نعم قالت : تأخذون العشرة بواحد لقوله : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه ُ عَشْرُ أَمْثالِها » « 1 » فأين السخاء ؟ قالوا : فما عندك ؟ قالت : العمل للَّه لا للجنّة ولا للنار ولا للثواب وخوف العقاب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 159 ] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّه ِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) . « ما » زائدة مؤكّدة للكلام ليتمكّن المعنى في النفس فجرى مجرى التكرير بيّن سبحانه

--> ( 1 ) الانعام : 161 .